الخميس، 28 أكتوبر 2010

ظهور ترجمة جديدة لرواية باسترناك الشهيرة( دكتور زيفاكو )

2010-10-26
كان المخرج البريطاني الشهير ديفيد لين عائدا الى اوروبا عام 1963 من مراسم حصوله على جائزة الاوسكار عن فيلمه الشهير " لورنس العرب " الذي عرض بافضل صورة وكان يفكر في مشروع جديد وقد وجد في امتعته رواية كانت قد ارسلتها اليه شركة " أم جي أم " لكي يقرأها،  فقد كانت رواية روسية كبيرة الحجم ولم يكن لين في بداية رؤيته لرواية بهذا الحجم والبالغ عدد صفحاتها اكثرمن خمسمائة صفحة  سعيداً لكن بعد يومين من القراءة أبرق ديفيد لين المهتاج عاطفيا قائلاً " نعم ، سأعمل رواية دكتور زيفاكو "طبقاً لقول كاتب سيرته الذاتية كيفين براونلو .
هكذا بدأت العملية الملحمية لترجمة تلك الرواية العظيمة الى فيلم .
وهذا بالخصوص ما يستحق  أن يشار إليه لأن فن الترجمة هو جزء حيوي من حياة الدكتور زيفاكو حيث ظهرت الآن ترجمة  انكليزية جديدة ورائعة  قام بها مترجمان هما ريتشارد بفير ولاريسا فولوخونسكي، تهدف إلى مساعدة محبي الأدب في أن يقرأوا الرواية بشكل جديد لكي يتمكنوا بوضوح أكبر أن يروا عالمية الصور التي وضعها باسترناك ضد فن القص الميت في عصره .
هذه النسخة الجديدة لرواية دكتور زيفاكو هي أكثر من مجرد تجديد  للشعر والنثر الروسي في اللغة الانكليزية، لكنها ترجمة لرواية عظيمة من فترة الحرب الباردة الى الظروف المتغيرة جداً والتي يشهدها القرن الواحد والعشرين . ففي كل مرحلة من حياتها تظهر رواية الدكتور زيفاكو بشكل متغير، مثلما أن بوريس باسترناك كان قد مدح كمترجم للاعمال الادبية الغربية الى اللغة الروسية حينما تم منع نشر أعماله الأدبية من قبل السلطات السوفيتية .
شخصية بطل رواية باسترناك يوري زيفاكو تمثل شاعراً كان يكافح من أجل أن يقوم بترجمة مشاعره وانعكاسات الحياة والحب الى شعر . كانت المخطوطات  الأولى من الرواية  قد كتبت في الثلاثينات من القرن الماضي وقد خطط باسترناك قصة بطله خلال السنوات المحصورة مابين عام 1905 الى 1917، ثم في عام 1946 شرع باسترناك بكتابة نسخة  جديدة  أطول وهي تلك النسخة التي طبعت لأول مرة بترجمة ايطالية عام ،1957 كما تم انتاج نسخ محدودة منها باللغة الروسية في الغرب في نفس الوقت الذي كان يرى فيه فائزاً بجائزة نوبل للأدب عام 1958 ، وقد حصلت رواية  الدكتور زيفاكو على جائزة نوبل في 23 تشرين الاول عام 1958 .
هذا الامر الذي تلقى فيه باسترناك عاصفة من الشجب في اليوم التالي من فوزه بالجائزة من قبل النظام السوفيتي  آنذاك،  على الرغم من ان نغمة رواية الدكتور زيفاكو لم تكن ضد الشيوعية ،لكنها في رأيهم إن باسترناك قد فشل في كتابة روايته ضمن المدرسة السائدة لدى الكتاب الروس آنذاك والمتمثلة بـ" الواقعية الاشتراكية " ، وهذا ما جعله أشر رجل في نظر نيكيتا خروشوف،  لذا منعت رواية الدكتور زيفاكو في الاتحاد السوفيتي وأجبر باسترناك على رفض جائزة نوبل.
كان باسترناك في الترجمات الأولى الصادرة باللغة الانكليزية متعاطفا مع الحالة الصعبة لمترجمي لغة روايته الى الانكليزية،  حيث كانوا يريدون أن ينتجوا رواية  لقاريء غير متعود على الفروق الدقيقة في اللغة والثقافة الروسية،  وقال عنهم باسترناك في ذلك الوقت "  ان الذنب ليس ذنبهم ، فهم مثل كل المترجمين في العالم يريدون نقل الاحساس الحرفي وليس نغمة ما يقال وبالطبع فان النغمة والايقاع هما المهمان "، فالإيقاع الذي أراده باسترناك أن ينقل ما موجود في الأفكار والكفاح والاهم من ذلك في قدرة الحب لدى بطله يوري زيفاكو .
من حيث الشكل الخارجي فالرواية تغطي عصر الثورة الروسية، وهي تبدأ من الانتفاضة الفاشلة عام 1905 ، لتمتد إلى الحرب الأهلية ما بين أعوام 1918 – 1923 وتأسيس الاتحاد السوفيتي . وهناك عناصر من السيرة الذاتية في الرواية حيث نشر باسترناك الشاب أولى دواوينه  عام 1913، وهو نفس الوقت الذي يبلغ فيه بطل الرواية يوري زيفاكو سن الشباب، وكما إن زيفاكو كان ملتهباً بحبه لـ (لارا ) بطلة الرواية ، كذلك كانت هناك علاقة عاطفية ستترك أثرها على حياة باسترناك العاطفية، ففي عام 1946 وحينما بدأ باسترناك كتابة هذه الرواية التقى ووقع في حب أولغا ايفانسكايا التي اصبحت نموذجاً لبطلته لارا .
على أية حال فان رواية دكتور زيفاكو ليست كتاباً عن الثورة الروسية ولا هي بشكلها عملاً له علاقة مباشرة بالسيرة الذاتية،  فالرواية هي عن الحياة والعيش ، عن الحب وأن يكون الإنسان محبوباً، وبالمناسبة فان جذر كلمة زيفاكو في اللغة الروسية (zhiv ( يعني الحياة  وهو مضاد تماماً إلى معناها في العقيدة الماركسية ، فقد رفض زيفاكو النظريات المجردة حول الثورة الروسية  في مشهد مؤثر وهو يوضح ذلك لحبيبته لارا قائلاً " لقد اندلعت الثورة تلقائياً مثل نفس حبس لفترة طويلة ، و انتعش الجميع وكان هناك تحول لدى الجميع ، يمكنك القول ان الجميع قد ذهب الى الثورة مرتين ، مرة من وجهة نظره كشخص ومرة كأمر عام ،  ويبدو لي ان الاشتراكية البحر الذي تدفق فيه كل اولئك الاشخاص والثورات يجب أن تجري في بحر أكبر هو بحر الحياة الذي هو البحر الاصلي .
وما قلته عن بحر الحياة لا يعني الحياة التي نراها في الرسم، لكنها الحياة التي تمسها العبقرية ، الحياة التي يغنيها الفكر الخلاق، لكن الناس الآن قد قرروا أن يتذوقوها ليست كما هي في الكتب بل من خلال أنفسهم وليس كما هي تجريداً بل من خلال الممارسة  ".
ان باسترناك يستجوب ذلك من خلال الضمير وليس من خلال نتائج الثورة ذاتها حيث يقول " لقد وعد البلاشفة بيوتوبيا لا طبقية لتبرير حملات التطهير والاعدامات الجماعية التي كانوا يقومون بها من اجل ما يعدوا به في المستقبل".  إن  زيفاكو يبتهج بالكدح الطبيعي والمشاركة في وفرة الأرض، لكنه لم يكن مهتماً للطموح البارز للشيوعية، فقد كان يبحث عن شكل جديد للمشاركة يعترف به القلب ومعروف بمملكة الله،  حيث لا أناس هناك بل هناك أشخاص .
لقد وجد باسترناك التراث الأدبي الغني  لبلاده في الرمزية الروسية، وهي الحركة التي هيمنت على الخطاب الادبي في سنوات ما قبل الحرب العالمية الاولى ، حيث كان للفردية مكانة عالية في تراث الرمزية كممثلة للعواطف والاحلام والقيم الانسانية . وهذا ما يتمثل بشكل واضح في قصائد يوري زيفاكو في نهاية الرواية وفي كل صفحة منها.
من الأهمية بمكان قراءة رواية دكتور زيفاكو ليس باعتبار الزمن وهي رؤية افضل بكثير من الستار الحديدي أو قصص الحرب الباردة، فرواية باسترناك هي قصة رجل ذو ضمير يؤكد على الكرامة الانسانية في وجه دولة قوية جداً، وهي قضية لا تبهت بمرور الزمن . ومن خلال رؤيتنا لرواية الدكتور زيفاكو ككتاب حي وليس مجرد نص يؤرخ لعصر غابر، أدى كلا من ريشارد بيفر ولاريسا فولوخونسكي خدمة هائلة الى كل من يثمن الأدب العظيم فنحن ربما لأول مرة ندرك الحقائق العميقة التي أراد باسترناك حملها، فحينما فتح زيفاكو قلبه لـ " لارا " في ذلك العمل الخالد الذي كان يخاطبنا من خلاله في ذات الوقت "  لقد ولد الانسان لكي يعيش وليس لكي يستعد للحياة والحياة نفسها ، ظاهرة الحياة ، هبة الحياة هي أمر مثير بشكل مدهش ".
 
عن موقع : كالفورنيا للعروض الادبية
ترجمة : عمار العجلي

ليست هناك تعليقات: